المبشر بن فاتك
375
مختار الحكم ومحاسن الكلم
حكماء ، لكن بعملها ؛ ولذلك يدعون مفضلين وعالمين وبأعمالهم يجلّون عن وجوههم فلا يعيبهم أحد ممن لابس العيوب ولا يعيرهم بالذنوب أهلها . وقال فلوس : لو أن الحكماء الذين قبلنا لم يدخروا لنا هذه الفصول ، ولم يرضوا لنا هذه الأعمال ، ولم يفتحوا لنا هذه الأبواب للخروج ، ولم يطرقوا لنا هذه السّبل لنسلكها على إثرهم ، إذا للقينا على نقصنا ولألفينا على حال مسكنتنا « 1 » قبل أن نقتنيها عن الحكماء بغناها ، وقبل أن تغور عنا عيون الفاقة . وإذن لما كنا نعد إلا من العميان الذين يصيبون اللؤلؤ ولا يرون نوره ولا حسنه ، فيكون عندهم كالشىء التافه الذي لا قدر له . وقال بريفويسوفى : حبّ النساء والشهوات للإناث هي كنوز الخسران للجهال وذخائر الإثم الكبير . وقال كيسقور « 2 » : كما أن الإناء والمكيال لا يستطيع أن يقبل إلا قدره ، فإن أراد مريد أن يجعل فيه زيادة على ذلك لم يطق وخرج عنه ، وإن أراد أن ينقص أطاق [ 120 ب ] فكذلك الألباب لا تسع قدرها من كنوز الحكمة . وقال فيدوروس : إني لأعجب كثيرا من أمور الناس الذين يبغضون الفواحش بكلامهم ، ويسعون في طلبها بأعمالهم ، ويحبون الفواحش ويفرون منها كأنها هي الفواحش والسيئات ! فما يدرى الواصف كيف يصفهم : إذ كانوا يحبون ما يبغضون ، ويبغضون ما يحبون ، ثم يصيرون بذلك إلى أن يعدّوا السيئات التي يعملون حسنات ، والحسنات التي لا يعملون سيئات ! وقال قريطون : من ذا يطيق أن يسلك القصد بين الهموم المترددة التي هي الأمواج الكدرة المتراكمة المتتابعة بعض على إثر بعض ، والألباب الصافية التي ترمى بأبصارها إلى طرق السلامة والثقة التي تأمن بها السّفن من الغرق أو الجهد .
--> ( 1 ) مسكنتها . ( 2 ) لي : كسيقور .